ماذا بقي من اليونيفيل؟ معركة اللحظة الأخيرة لمنع الفراغ الدولي في جنوب لبنان؟
سوسن الشامي

كتبت سوسن الشامي في موقع أخبار لبنان 24
منذ عام 1978، تشكّل قوات اليونيفيل جزءاً أساسياً من المشهد الأمني في جنوب لبنان. وعلى مدى عقود، تبدّلت مهماتها وصلاحياتها، وصولاً إلى القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، الذي منحها دوراً في مراقبة وقف الأعمال العدائية ومساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني.
لكن اليوم، تقف هذه القوات أمام استحقاق مصيري.
فقرار مجلس الأمن 2790 الصادر عام 2025 حدّد نهاية ولايتها في 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجي خلال عام.
غير أن التطورات الميدانية التي شهدها لبنان، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمواقع وأراضٍ جنوبية، وعدم اكتمال انتشار الجيش اللبناني في كامل المنطقة، أعادت فتح النقاش حول جدوى الانسحاب في هذا التوقيت.
أولاً: لماذا تصرّ فرنسا على بقاء اليونيفيل؟
باريس ترى أن خروج القوات الدولية قبل استكمال الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها على الجنوب، قد يخلق فراغاً أمنياً يصعب احتواؤه.
كما أن فرنسا لا تريد خسارة دورها التقليدي في لبنان، ولا موقعها في المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة.
وتدرك أن بقاء قوة دولية، ولو بولاية معدّلة، يمنح المجتمع الدولي وسيلة لمراقبة التطورات الحدودية، وتوثيق الخروقات، ومنع الاحتكاك المباشر.
لكن الموقف الفرنسي لا يعني امتلاك باريس وحدها القدرة على فرض التجديد، فالقرار يحتاج إلى موافقة مجلس الأمن، ولا سيما الدول الخمس دائمة العضوية.
ثانياً: هل تنجح فرنسا بالضغط؟
المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا في طليعة الدول التي دفعت باتجاه إنهاء مهمة اليونيفيل، انطلاقاً من اعتبارهما أن القوات الدولية لم تنجح في منع حزب الله من تعزيز وجوده العسكري في الجنوب.
في المقابل، هناك دول داخل مجلس الأمن تبدي تحفظاً على الانسحاب، وترى أن الظروف الميدانية تغيّرت بصورة جذرية منذ صدور القرار.
وبحسب تقرير مجلس الأمن لشهر تشرين الثاني، فإن عدداً من أعضائه يؤيدون استمرار وجود دولي في الجنوب، وبعضهم لا يستبعد تمديداً مؤقتاً لولاية اليونيفيل.
لكن العقدة تبقى في الموقف الأميركي، واحتمال استخدام الفيتو.
ثالثاً: من المستفيد من رحيل اليونيفيل؟
إسرائيل ستكون من أبرز المستفيدين من غياب قوة دولية تراقب الحدود وتوثّق الانتهاكات وتشكّل حاجزاً سياسياً وأمنياً أمام التحركات العسكرية.
كما أن غيابها قد يمنح إسرائيل هامشاً أوسع في إدارة واقعها الأمني على الحدود.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن واشنطن وتل أبيب تريان أن انتهاء مهمة اليونيفيل يفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة، تقوم على مسؤولية الدولة اللبنانية والجيش في الجنوب.
أما لبنان، فالمخاطرة الأساسية بالنسبة إليه هي فقدان مظلة دولية كانت تساهم في مراقبة الوضع الميداني.
رابعاً: ماذا عن النواب الـ86؟
هنا تبرز محطة سياسية مهمة.
فقد وقّع 86 نائباً لبنانياً وثيقة قانونية تطالب بتمديد ولاية اليونيفيل، أو إيجاد بدائل تحول دون حصول فراغ أمني.
والوثيقة التي سُلّمت إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، تستند إلى أن شروط الانسحاب التي نص عليها القرار 2790 لم تتحقق، خصوصاً أن الانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل، وأن تسليم مواقع اليونيفيل للجيش اللبناني لا يمكن أن يتم بصورة طبيعية في مناطق لا تزال تحت الاحتلال.
هذه الورقة تشكّل رسالة سياسية لبنانية عابرة لعدد كبير من الكتل، لكنها ليست قراراً ملزماً لمجلس الأمن.
وقيمتها الأساسية أنها تمنح الموقف اللبناني غطاءً نيابياً واسعاً، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
خامساً: هل تؤثر نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟
بالتأكيد، ولكن ليس بصورة آلية.
فالانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أظهرت خسارة معسكر بنيامين نتنياهو الأكثرية البرلمانية، إذ حصل معسكره على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر المعارضة، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً.
ولا تزال عملية تشكيل الحكومة مفتوحة، ما يعني أن هوية الحكومة المقبلة وتركيبتها ستؤثران في مقاربة إسرائيل للملف اللبناني.
لكن لا ينبغي الافتراض أن تغيير الحكومة سيعني تلقائياً تغيير الموقف من اليونيفيل؛ فالموقف الإسرائيلي من هذه القوات يرتبط أيضاً بحسابات المؤسسة الأمنية والعلاقة مع واشنطن.
الخلاصة:
المعركة اليوم ليست فقط معركة إبقاء اليونيفيل أو إنهاء مهمتها، بل معركة على شكل الجنوب اللبناني في المرحلة المقبلة.
هل يبقى تحت رقابة دولية تساعد على ضبط الحدود وتوثيق الخروقات، أم ينتقل إلى ترتيبات أمنية جديدة لا تزال ملامحها غير واضحة؟
لبنان يريد استمرار المظلة الدولية، وفرنسا تحاول منع الانسحاب من دون بديل، فيما إسرائيل والولايات المتحدة تدفعان باتجاه مرحلة مختلفة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يستطيع لبنان تحويل الإجماع النيابي والسياسي إلى قرار دولي يوقف الانسحاب، أم أن اليونيفيل تستعد فعلياً لوداع الجنوب بعد قرابة نصف قرن؟