تربيةمقالات

حين يصبح الطالب ضحية مرتين: حرب وامتحانات – مهى حسام زيتونة

مهى حسام زيتونة

في ظلّ الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، من حربٍ وضغوطٍ اقتصادية ونفسية واجتماعية، يجد طلاب لبنان أنفسهم أمام تحدٍّ يفوق قدرتهم على التحمّل. فبين القلق اليومي على الأمان، وصعوبة التنقّل، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وتشتّت العائلات، لم تعد الدراسة أولوية سهلة المنال، بل أصبحت معركة بحدّ ذاتها. ورغم ذلك، ما تزال وزارة التربية مصرّة على إجراء الامتحانات الرسمية في موعدها وكأن الظروف طبيعية ولا استثناء فيها.
إنّ الطالب اللبناني اليوم لا يطلب امتيازات ولا يسعى إلى الهروب من المسؤولية، بل يطلب العدالة والإنصاف. كيف يمكن لطالب يعيش تحت ضغط الخوف وعدم الاستقرار أن يُمتحن وكأنّه يعيش في بيئة تعليمية طبيعية؟ وكيف يمكن مساواة طالبٍ في منطقة آمنة نسبياً بآخر يعيش في مناطق مهدّدة يومياً؟ العدالة الحقيقية لا تعني المساواة في ظروف غير متكافئة، بل تعني مراعاة الفروقات والظروف القاسية التي مرّ بها الجميع، ولا سيما طلاب الجنوب الذين عاشوا أصعب الأيام.
لقد أثّرت هذه الظروف على نفسية الطلاب بشكل كبير، فزاد التوتر والقلق وفقدان القدرة على التركيز، وأصبح التحصيل العلمي متذبذباً وغير مستقر. فالطالب الذي يخاف على حياته وعلى عائلته لا يستطيع أن يقدّم أفضل ما لديه في امتحان مصيري يحدّد مستقبله. لذلك، فإن الإصرار على إجراء الامتحانات دون أي تعديل أو تسهيلات يبدو وكأنه تجاهل لمعاناة جيلٍ كامل.
ولا يمكن تجاهل الحقيقة الأشدّ قسوة: هناك طلاب فقدوا أعزّ الناس إلى قلوبهم، من فقد والدًا أو والدته أو أخًا أو صديقًا، وهناك من تهدّمت منازلهم أو نزحوا من مناطقهم، ومن يعيشون اليوم حالة حزن وصدمة نفسية لا يمكن وصفها. فكيف يُطلب من هؤلاء أن يجلسوا إلى طاولة الامتحان وكأن شيئًا لم يكن؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا الألم وهذا الضغط النفسي الهائل؟ إن تجاهل هذه المعاناة وتحميل الطلاب وحدهم عبء التكيّف مع الواقع هو ظلم لا يليق بمؤسسة تربوية يفترض أن تكون الحاضن الأول لهم.
من هنا، نطالب وزارة التربية بالنظر بعين الرحمة والمسؤولية إلى أوضاع الطلاب واتخاذ قرارات تراعي مصلحتهم ومستقبلهم، ومن أبرز هذه المطالب:
إعادة النظر في موعد الامتحانات أو تأجيلها إلى حين تحسّن الظروف.
تخفيف المناهج أو اعتماد مواد اختيارية لتخفيف الضغط النفسي والعلمي.
اعتماد آليات تقييم بديلة تراعي الاستثنائية التي مرّ بها الطلاب.
تقديم دعم نفسي وتربوي لمساعدة الطلاب على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.
إن الطلاب هم مستقبل الوطن وأمله، وأي قرار يُتخذ اليوم سيترك أثره لسنوات طويلة. لذلك، فإن الوقوف إلى جانبهم اليوم ليس خياراً بل واجب وطني وإنساني، لأن العدالة في التعليم تبدأ بالإنصات إلى صوت الطلاب وفهم معاناتهم ووضع مصلحتهم فوق أي اعتبار.

زر الذهاب إلى الأعلى