لقاء حواري مع الوزيرة كرامي في طرابلس

استضاف معرض رشيد كرامي الدولي لقاءً حواريًا مع وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، نظّمه الحراك المدني حول إصلاح قطاع التربية، بحضور رئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة، ورئيس مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي الدكتور هاني شعراني، وحشد من فاعليات المدينة.
بدأ اللقاء بكلمة لرئيس الحراك المدني بشارة حبيب، تلتها كلمة معرض رشيد كرامي الدولي ألقاها الدكتور باسم بخاش، ثم قدّمت السيدة غيدا بكري الوزيرة كرامي.
وآدار الحوار كلٌّ من الأستاذ نعمة محفوض والسيدة سلاف الحاج، وتناول النقاش قضايا إصلاح القطاع التربوي والتحدّيات التي تواجهه وآفاق تطويره.
كرامي
وقالت الوزيرة كرامي: “ربما كان أول شيء واضحاً جداً في ذهني عند استلامي الوزارة، أنه لا يمكننا العمل على إصلاح قطاع التربية بمعزل عن المظلة التي جئنا تحتها، وهي (الإصلاح). فنحن حكومة إصلاح، وتعهُّدنا ينصّ على أننا أتينا كفريق تكنوقراط بالكامل. و أنا شخصياً جئتُ دون أي خلفية سياسية، وكما أقول للجميع، دون أي طموح سياسي بالمعنى المهني لمسيرتي، وقد جئتُ لأضع خبرتي في خدمة المجتمع من موقع مختلف”.
وأضافت: ”هذه النظرة جعلت الأمر واضحاً لديّ منذ البداية بأن التركيز يجب أن يكون على التعليم الرسمي الذي هو المساحة التربوية الوحيدة التي تملك الأمل، في ظل التجاذبات التي نعيشها في مجتمعنا، في تقديم خطاب تربوي جامع.
من هنا كان من الضروري أن نبدأ الإصلاح من المدرسة الرسمية. والواقع يشير إلى أن هذا القطاع في خطر كبير، خطر وجودي. وأكبر دليل على ذلك هو أننا خلال السنوات الأربع الأخيرة نجد أن أعداد الطلاب في المدارس الرسمية والثانويات في انخفاض مستمر. وما احتفلت به وزارة التربية بين السنة الماضية وهذه السنة هو أننا حافظنا على أعداد الطلاب ولم تنقص، واستطعنا رغم الظروف”.
وتابعت الوزيرة كرامي: ”لقد أعطيتُ هذا الأمر الأولوية الأساسية وانطلقتُ منه. ولم أركز حتى على ما يمكن عمله في القطاع الخاص؛ ليس لأنه خالي من المشاكل التي تستوجب المعالجة أيضاً. إنما الأولوية التعليم الرسمي”.
وقالت: “الاكتشاف الثاني الذي لمسته هو الغياب الكلي لدور الوزارة، التي أصبحت مجرد هيكل تُلقى عليه اللوائم في تأخير المعاملات أو التعقيد البيروقراطي، بينما دور الوزارة الحقيقي هو العكس: كيف نساعد الأستاذ داخل الصف ليؤدي دوره. هذا التفكك الإداري لا يمكن وصفه بسهولة، وأحتاج لسنتين كباحثة بعد مغادرة الوزارة لأستوعب درجته؛ فقد سُلبت الإدارة قرارها المعياري. أصبح لدينا إما شغور إداري، أو أشخاص مكلفون خائفون على موقعهم فيلجؤون لجهات سياسية تحميهم، أو أشخاص بالتكليف يفضلون البقاء دون عمل على العودة للصفوف. يضاف إلى ذلك الغياب التام للمعايير؛ فلا وضوح حول المعايير التي نحدد على أساسها المدارس الناجحة أو السيئة، أو تحديد الإشكاليات الإدارية والتعليمية، دون وجود أي بوصلة نسترشد بها. والنقطة الأخيرة هي غياب المعلومات؛ فالأمر قائم على القيل والقال والبيانات غير الموثوقة. وعندما سُئلتُ عن أولوياتي الاستراتيجية، كان جوابي أنني بحاجة أولاً لجمع المعلومات بطريقة موثوقة لأحدد أين يجب التركيز”.
واوضحت وزيرة التربية ان
“هذه المشاكل حددت الأولويات فوراً، فبدأنا بوضع رؤية للمدرسة التي نطمح إليها بمواصفاتها ومعاييرها ونحن من يحددها لا الجهات المانحة. ثم حددنا الأهداف (وهي سبعة أهداف)، منها:
معالجة الفقدان التعلمي.
إعادة تنظيم الهيئة التعليمية والعقود.
البنية التحتية (Infrastructure).
الحوكمة والرقمنة.
والشراكات: فالإنقاذ الحاصل تم بفضل الشراكات والجمعيات والقطاع الخاص، لكنها بحاجة لتنظيم وضبط لنعرف من يدخل مدارسنا ونضمن ثقتنا بهم.
والتماسك الاجتماعي (Social Cohesion): لا سيما بعد الحرب الأخيرة، حيث يجب العمل تربوياً على تعزيز مفهوم المصلحة المشتركة والتكامل مع الآخر، وتطبيق ذلك ضمن المناهج الجديدة. هذه هي المظلة والبوصلة التي نعمل من خلالها لمعالجة ترسبات سنوات طويلة من الإهمال في هذا القطاع”.
وردا على سؤال عن اضراب الأساتذة الثانويين والتهديد بالإضراب المفتوح؟ قالت كرامي: “لقد قرأت البيان وكان السبب مطالب بوجود ناظر لكل 100 تلميذ بدلاً من 125، وألا يتجاوز عدد الشعَب 24 تلميذاً بدلاً من 30. هل هذه أسباب تستدعي إضراباً مفتوحاً؟ أم هناك خلفيات أخرى؟
لقد اجتمعتُ مع الرابطة وناقشنا ما سميناه قراراً تنظيمياً، يستند إلى النظام الداخلي الحالي دون اختراع شيء جديد، بل يُعدّل بعض البنود لصالح ما طلبوه. والنظام الداخلي ينص على أنه في الثانوية لا تُفتح شعبة ثانية إلا إذا تجاوز الصف 40 طالباً. نحن تفهمنا التحديات وقمنا بمسح وتبين لنا وجود شعب مفتعلة بهدف التعيين والتنفيع السياسي على حساب الدولة. ورغم ذلك، لم أقم بإجراءات ترشيد الإنفاق في السنة الأولى أملأً في استقطاب الطلاب.
أما في التعليم الأساسي فالأمر مختلف؛ لدينا 1200 مدرسة وثانوية (900 منها أساسية وابتدائية)، والمشكلة هناك في وجود صفوف متعثرة في المناطق النائية لقلة الطلاب، وهو أمر طبيعي ونترك الصفوف لأجلهم. أما الثانوي فالوضع مختلف. لذلك اتفقنا على ألا ننتقل فجأة للمثالية، وراعينا وجود 40 طالباً بالصف، واتفقنا على اعتماد رقم 32 طالباً مع لحظ استثناءات للمناطق النائية ومناطق الحرب، والمدارس الدمجية (وعددها 180)، والمدارس التطويرية.
أما في موضوع النُّظّار: القانون ينص على ناظر لكل 150 طالباً. والبيانات لدينا تظهر وجود مدارس فيها 50 طالباً و8 نُّظّار! فاقترحنا اعتماد 125 طالباً كحل وسط، لكنهم يصرون على 100 طالب. خرجنا من الاجتماع بأجواء ممتازة، لكنني فوجئت بتهديدهم بالإضراب المفتوح. وأنا مقتنعة تماماً بأن كلفة عدم المعالجة أكبر من كلفة القرار. نحن أمام فرصة ذهبية، وإذا لم نقم بهذه الإصلاحات الآن فنحن في خطر كبير يهدد استمرارية مدارسنا وثانوياتنا الرسمية”.
وكشفت وزيرة التربية عن وجود “ضغوط مالية كبيرة من وزارة المالية والجهات المانحة لمنع الإنفاق غير المبرر، والقرار التنظيمي يهدف لتحقيق الحوكمة الرشيدة والموازنة بين الموارد المتاحة والحفاظ على الكادر التعليمي دون التوسع في التعاقد والتوظيف العشوائي الذي كان يحدث سابقاً. هكذا أقرأ المشهد، وأتمنى أن نصل لنتائج إيجابية”.
وعن مواءمة سوق العمل والتعليم الجامعي؟ قالت: “يواجه القطاع التربوي في الوقت الحالي تحديين رئيسيين يتمثلان في التحول الرقمي والتغيرات المجتمعية السريعة. ولقد اختلف الزمن وتغيرت المعطيات، ولم تعد المناهج القديمة التي أُعدت بطرق تقليدية تناسب احتياجات الجيل الحالي، مما يستدعي تحديثها لتواكب التطورات الحديثة. واليوم تركز المقاربة التربوية الحديثة على التعلم النشط، وتفعيل دور المتعلم، والاهتمام بالمهارات الرقمية، وقيم المواطنة، وإعداد أفراد قادرين على التفاعل مع مجتمع متعدد. اما المنهج فليس مجرد كتب دراسية، بل هو منظومة متكاملة تشمل الأهداف التعليمية، والمخرجات، والوسائل، وأدوات القياس، والموارد التعليمية. مرونة المناهج وتطويرها”.
وردا على سوال أشارت كرامي الى أن ”حصة الشمال وعكار من المدارس الرسمية هي 55% ، ولا زلنا نحافظ في لبنان الشمالي وعكار على التعليم الرسمي وبشكل متقدم”.
