خاص اخبار لبنان ٢٤

الدولارات في مواجهة الكرامة. والالم تعويضاتٌ تُرمّم البيوت أم تُعيد شراء الولاءات؟

سوسن الشامي

كتبت سوسن الشامي غي موقع أخبار لبنان 24

حين يصبح المال امتحاناً للثقة، وتتحوّل المساعدة من جبرٍ للخسارة إلى سؤالٍ عن الحرية والقرار.

في السياسة، ليست كلّ الأموال مجرّد أرقام، وليست كلّ المساعدات أفعالاً معزولة عن الحسابات. فثمة أموال تُدفع لتخفيف المعاناة، وأخرى تفتح أبواباً واسعة أمام النفوذ، وثمة مساعدات تُعيد للإنسان شيئاً من استقراره، وأخرى قد تتحوّل، في ظروف معيّنة، إلى وسيلة لتعزيز الارتباط بالجهة التي تمنحها.
وفي لبنان، حيث تتقدّم الأزمات على الدولة، وتتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على حماية المواطنين وتأمين احتياجاتهم، يأتي ملف التعويضات التي أعلن حزب الله استئناف دفعها للمتضرّرين من الحرب ليطرح قضية أكبر من قيمة المبالغ الموعودة:

هل نحن أمام محاولة لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، أم أمام اختبار جديد لقدرة المال على ترميم الثقة السياسية والاجتماعية؟
السؤال ليس تفصيلاً عابراً، ولا تشكيكاً بحق المتضرّرين في الحصول على التعويضات، بل هو محاولة لفهم المشهد من زاوية تتجاوز الحاجة الآنية إلى المال، لتصل إلى طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الجهة المانحة والمواطن الذي يجد نفسه مضطراً إلى طرق أبوابها كي يستعيد جزءاً من حياته.
فالعائلات التي خسرت منازلها لا تنتظر تحليلات سياسية، بل تنتظر سقفاً يؤويها. وأصحاب المؤسسات التجارية لا تعنيهم الشعارات بقدر ما يعنيهم استئناف أعمالهم وتسديد ديونهم وإعادة تأمين لقمة عيش عائلاتهم. أما الذين خسروا كلّ ما جمعوه طوال سنوات، فلا يمكن مطالبتهم بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا تحويل معاناتهم إلى مادة للمزايدات السياسية.
لكنّ المأساة تبدأ عندما يصبح التعويض هو الحدّ الأقصى لما يُعرض على الناس، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة: من يعيد إليهم الشعور بالأمان؟ من يضمن ألّا تتكرّر الخسارة؟ ومن يتحمّل مسؤولية واقعٍ يجد فيه المواطن نفسه مضطراً إلى إعادة بناء حياته مرّة بعد أخرى؟
الدولار الذي يعيد بناء المنزل… هل يعيد بناء الثقة؟
أعلن حزب الله تخصيص مبالغ مالية للوحدات السكنية المدمّرة، إلى جانب بدلات الإيواء والأثاث للفئات المشمولة ببرنامجه. وبالنسبة إلى المتضرّرين، تشكّل هذه الأموال محاولة لتخفيف أعباء ثقيلة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الطريق إلى التعافي أصبح مضموناً.
فإعادة بناء منزل لا تختصرها كلفة الجدران وحدها، كما أن استعادة الحياة لا تتحقّق بمجرد دفع مبلغ مالي. هناك خسائر لا تظهر في جداول التعويضات: سنوات من العمل، ومصادر رزق انقطعت، ومؤسسات أقفلت أبوابها، وعائلات فقدت استقرارها، وأطفال بات مستقبلهم مرتبطاً بقدرة أهلهم على النهوض مجدداً.
وهنا يصبح السؤال عن كفاية التعويضات مشروعاً وضرورياً: هل تتناسب المبالغ المعلنة مع حجم الأضرار الفعلية؟ هل توجد معايير واضحة لتحديد المستفيدين؟ وهل هناك ضمانات لاستمرار الدفع، في ظل حجم الالتزامات المالية والضغوط التي تحيط بمصادر تمويل الحزب؟
هذه أسئلة تحتاج إلى أجوبة موثّقة، لا إلى أحكام مسبقة. فالمعيار في النهاية ليس ما يُعلَن، بل ما يصل فعلياً إلى المتضرّر، وما يستطيع هذا المتضرّر أن يحقّقه بالمبلغ الذي يحصل عليه.
غير أن المسألة تتجاوز الأرقام أيضاً. فالثقة لا تُبنى بالدولارات وحدها، ولا يمكن اختصارها بعلاقة بين جهة تدفع وأخرى تتلقّى. الثقة تُبنى عندما يشعر الإنسان بأن حياته وكرامته وحقّه في الاختيار ليست أثماناً قابلة للتفاوض.
فهل يمكن للتعويض أن يعيد ترميم العلاقة بين الحزب وجمهوره، أم أن الثقة الحقيقية تحتاج إلى ما هو أبعد من المال: تحتاج إلى إجابات عن أسباب الخسارة، وضمانات للمستقبل، وحقّ كامل في المساءلة؟
حين تتحوّل الحاجة إلى مصدر نفوذ
ليس في مساعدة المحتاج ما يستدعي الانتقاص من قيمة العمل الإنساني، ولا يجوز اتهام كل من يقدّم المساعدة بأنّه يسعى إلى شراء الولاء. لكنّ السياسة اللبنانية عرفت طويلاً تداخلاً بين الخدمات الاجتماعية والنفوذ السياسي، حتى باتت العلاقة بين المواطن وبعض القوى السياسية تتأثر، في أحيان كثيرة، بقدرة هذه القوى على توفير ما تعجز الدولة عن تأمينه.
وهذا الواقع يفرض التمييز بين أمرين: تقديم المساعدة باعتبارها استجابة لحاجة إنسانية، واستخدامها، إن حصل، لتعزيز تبعية سياسية أو خلق شعور بالدَّين تجاه الجهة المانحة.
فالمتضرّر الذي يقبض تعويضه لا يفقد حقّه في السؤال، والمحتاج الذي يتلقّى المساعدة لا يتنازل عن حرية رأيه، ومن يمدّ يده لإنقاذ عائلة من العوز لا يكتسب، بمجرد ذلك، حقّ تقرير خياراتها السياسية.
المساعدة لا تشتري الصمت، والتعويض لا يشتري الولاء، والامتنان لا يعني التنازل عن حرية القرار.
وهنا تكمن حساسية الملف. فإذا كانت التعويضات تهدف إلى مساعدة الناس على استعادة حياتهم، فإن نجاحها ينبغي أن يُقاس بمدى قدرتها على تخفيف معاناتهم، لا بمدى انعكاسها على حجم التأييد السياسي أو مستوى الالتفاف حول الجهة التي تدفع.
أما إذا تحوّلت الحاجة إلى وسيلة لإسكات الاعتراض، أو أصبح الحصول على المساعدة يُفهم باعتباره التزاماً أخلاقياً أو سياسياً دائماً، فحينها نكون أمام مشكلة تتجاوز المال إلى مفهوم المواطنة نفسه.
ولا يجوز، في هذا السياق، تحميل المتضرّرين مسؤولية أي استثمار سياسي محتمل في معاناتهم. فمن خسر منزله لا ينبغي أن يُوضَع أمام امتحان الولاء، ومن يحتاج إلى المال لإعالة أسرته لا يجوز أن يُطالَب بإثبات موقف سياسي مقابل حقّه في المساعدة.
إيران في الخلفية… والتعويضات أمام اختبار الاستمرارية
ثمّة جانب آخر لا يمكن تجاهله في قراءة هذا الملف، وهو مصدر التمويل والقدرة على الاستمرار.
فحزب الله لا يتحرّك في فراغ مالي، بل ضمن شبكة من الالتزامات والموارد التي ترتبط، في جانب أساسي منها، بعلاقته مع إيران. وأي ضغوط مالية تطاول طهران أو تؤثر في قدرتها على تحويل الأموال تفتح الباب أمام التساؤل عن انعكاساتها المحتملة على التزامات الحزب الاجتماعية والمالية.
لكنّ المسألة لا تُحسم بالتكهّنات. فالحديث عن قدرة الحزب على الوفاء بالتعويضات يحتاج إلى معلومات واضحة حول الموارد المتاحة، وحجم الأضرار، والالتزامات المتراكمة، والجدول الزمني للتنفيذ.
والمطلوب هنا ليس إطلاق أحكام مسبقة حول ما يستطيع الحزب دفعه أو ما قد يعجز عنه، بل طرح سؤال واقعي: هل توجد خطة مالية قابلة للاستمرار، أم أن المتضرّرين سيبقون في دائرة الانتظار، يتقدّمون خطوة نحو التعافي ثم يعودون إلى نقطة الصفر إذا تعثّر التمويل؟
فالعائلات لا تستطيع أن تبني مستقبلها على الوعود وحدها، ولا يمكن للاقتصاد المحلي أن يستعيد نشاطه عبر دفعات مالية متفرّقة، ما لم تترافق مع رؤية أوسع لإعادة الإعمار وإعادة تشغيل المؤسسات وتأمين فرص العمل.
إن الاختبار الحقيقي ليس القدرة على الإعلان عن التعويضات، بل القدرة على تنفيذها بشفافية، والاستمرار فيها، وضمان وصولها إلى أصحاب الحقوق.
الدولة الغائبة… من يملأ الفراغ ومن يحاسب؟
في موازاة ذلك، تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية، التي لا يمكن أن تُختزل في موقع المتفرّج على عملية إعادة الإعمار.
فحين تعجز المؤسسات الرسمية عن توفير الاستجابة المطلوبة، تتقدّم الجهات الحزبية لملء الفراغ. وقد تخفّف هذه الجهات جانباً من المعاناة، لكنّ توسّع دورها لا يعفي الدولة من مسؤولياتها، ولا يجعل العمل الحزبي بديلاً دائماً عن المؤسسات العامة.
فالدولة مطالبة بوضع خطة وطنية واضحة لمسح الأضرار، وتحديد آليات التعويض، وتأمين التمويل، وإعادة بناء البنى التحتية، وضمان العدالة في توزيع المساعدات. كما أن عليها توفير الظروف الأمنية والاقتصادية التي تسمح بعودة السكان إلى مناطقهم واستعادة مصادر رزقهم.
والأهم أن تكون حقوق المواطنين مصونة بمعايير عامة وشفافة، لا مرتبطة بقدرتهم على الوصول إلى مرجعية سياسية أو الانتماء إلى بيئة حزبية معيّنة.
لكنّ مسؤولية الدولة لا تلغي ضرورة مساءلة القوى السياسية عن خياراتها ومواقفها. فالتعويض عن الأضرار يعالج جانباً من نتائج الحرب، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بكيفية تجنّب تكرارها، أو بكيفية حماية المواطنين من أن يصبحوا مجدداً أول من يدفع الثمن.
وهنا تبرز معادلة لا يجوز الهروب منها: لا يمكن للدولة أن تتنصّل من مسؤولياتها بحجّة أن الحزب يدفع، كما لا يمكن للحزب أن يعتبر دفع التعويضات بديلاً عن النقاش في الخيارات السياسية والأمنية التي تؤثر في حياة الناس.
فالمواطن لا يحتاج إلى جهة تعوّضه بعد كل خسارة فحسب؛ بل يحتاج إلى دولة تحمي حقوقه، وسياسات تقلّل احتمالات تكرار المأساة.
عندما تصبح الكرامة جزءاً من فاتورة التعويضات
لعلّ أخطر ما في هذا الملف هو احتمال أن تتحوّل المساعدة، في الوعي العام، من وسيلة لاستعادة الكرامة إلى معيار لتحديد المواقف السياسية.
فالمجتمع الذي يحتاج فيه المواطن إلى جهة سياسية لتأمين أساسيات حياته يواجه سؤالاً صعباً حول استقلالية قراره. وإذا أصبحت المساعدة مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتوقّعات الولاء، فإن العلاقة بين الطرفين تفقد شيئاً أساسياً من توازنها.
لكنّ الكرامة لا تُقاس بقبول المساعدة أو رفضها. فليس من حق أحد أن يعيّر المتضرّر بما يتلقّاه، أو أن يشكّك في مواقفه بسبب حاجته، أو أن يطالبه بالتخلّي عن حقّه في الاعتراض.
المعيار الحقيقي هو أن تبقى المساعدة منفصلة عن الإكراه السياسي، وأن يكون المواطن قادراً على الاستفادة منها من دون أن يشعر بأنّه أصبح مديناً بقراره أو صوته أو صمته.
وهذا ما يجعل عنوان «الدولارات في مواجهة الكرامة» سؤالاً عن طبيعة العلاقة بين المال والحرية، لا حكماً على كل مساعدة أو على كل من يتلقّاها.
فالدولارات قد تساعد في ترميم منزل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعيد بناء الثقة إذا غابت الشفافية، ولا أن تضمن الاستقرار إذا بقيت أسباب الخوف قائمة، ولا أن تعوّض الإنسان عن حقّه في أن يكون مواطناً حراً، لا تابعاً لجهة تمنحه المال.

 

ختاما البيوت تُرمَّم بالمال… أما الثقة فلا تُشترى
في نهاية المطاف، ستُقاس نتائج التعويضات بمدى وصولها إلى المتضرّرين، وبقدرتها الفعلية على تخفيف خسائرهم، وباستمرارية التمويل وشفافية التنفيذ. لكنّ الأثر السياسي والاجتماعي لهذه الأموال سيبقى مرتبطاً بطريقة استخدامها، وبما إذا كانت ستساعد الناس على استعادة استقلالهم أم ستزيد ارتباطهم بالجهة التي تتولى مساعدتهم.
فالمواطن الذي فقد منزله يحتاج إلى تعويض عادل، وصاحب المؤسسة المتضرّرة يحتاج إلى فرصة لاستئناف عمله، والعائلة التي أنهكها النزوح تحتاج إلى ضمانات حقيقية بأنّها لن تجد نفسها مجدداً أمام المصير نفسه.
هؤلاء لا يحتاجون إلى مَن يذكّرهم بفضل المساعدة، بل إلى مَن يحترم حقّهم فيها، ويصون كرامتهم، ويترك لهم حرية تحديد مواقفهم.
فإذا كانت الدولارات قادرة على إعادة بناء الحجر، فمن يعيد بناء الثقة؟ وإذا كانت التعويضات قادرة على تخفيف الخسائر، فمن يضمن ألّا تتكرّر؟
هنا يُختبر الحزب، وهنا تُختبر الدولة، وهنا أيضاً يُختبر معنى المواطنة.
لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يتلقّى الإنسان مساعدة يحتاج إليها، بل أن يشعر بأنّ عليه أن يدفع ثمنها من حريته.
فالبيوت قد تُرمَّم بالدولارات، والأسواق قد تعود إلى العمل بالأموال، لكنّ الكرامة لا تُشترى، والثقة لا تُفرض، والولاء الذي يحتاج إلى المال كي يستمرّ ليس دليلاً كافياً على الاقتناع.
وفي بلدٍ أنهكته الحروب، لا ينبغي أن يكون السؤال الأخير: كم دولاراً قبض المتضرّر؟ بل: هل أصبح أكثر أمناً واستقلالاً وقدرة على تقرير مصيره؟
لأنّ التعويض الذي يعيد بناء المنزل يظلّ مساعدة، أما التعويض الذي يُراد له أن يشتري الصمت، فيحوّل المساعدة إلى امتحان للكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى