مقالات

مطار القليعات… حين يتطاول أهل الغدر على أصحاب المشاريع وأصحاب من صنعوا الفكرة

سوسن الشامي

كتبت سوسن الشامي في موقع أخبار لبنان 24

في لبنان، لم يعد مستغرباً أن يتحول الفشل إلى منصة للخطابة، وأن يصبح الذين أمضوا سنوات في التعطيل أو الصمت أو التبرير، فجأة خبراء في التنمية والإنماء. والأكثر إثارة للسخرية أن يخرج اليوم بعض المرتزقة السياسيين وأصحاب الولاءات المدفوعة وأبواق الدولار الرخيص لمهاجمة الرئيس سعد الحريري على خلفية مطار القليعات، وكأن الذاكرة الوطنية أصابها العمى، أو كأن اللبنانيين نسوا من حمل مشاريع الدولة ومن حمل مشاريع المحاور.
من حق الناس أن تختلف في السياسة وأن تتباين في الرؤى.
لكن من غير المقبول تزوير الوقائع والقفز فوق الحقائق لتسجيل نقاط سياسية رخيصة. هؤلاء الذين يهاجمون اليوم لم يكونوا يوماً شركاء في مشروع إنمائي واحد. كانوا دائماً في صف التعطيل، يصفقون لكل قرار يعزل لبنان عن محيطه العربي، ويبررون كل سياسة أوصلت البلاد إلى الانهيار والعزلة والفقر. وحين كان الحديث عن مطار القليعات وعن إنماء الشمال يُطرح بجدية، كانوا منشغلين بتوزيع شهادات التخوين وفرض معادلات القوة على حساب الدولة ومؤسساتها.
الحقيقة التي تؤلمهم أن الرئيس سعد الحريري هو أول من دعا إلى الإنماء المتوازن، وأن الوطنية لا تُقاس بمن يقطف ثمارها بل بمن وضع البذرة، وأن الظروف التي كانت تمنع انطلاق هذا المشروع لم تعد موجودة كما كانت. فلبنان الذي كان رهينة توازنات إقليمية خانقة، يعيش اليوم مرحلة مختلفة بالكامل. سقوط نظام بشار الأسد أسقط معه جزءاً كبيراً من المنظومة التي كانت تتحكم بمفاصل القرار في المنطقة، كما أن التراجع الواضح في قدرة حزب الله على الإمساك بكل مفاصل اللعبة الداخلية فتح الباب أمام الدولة لتستعيد جزءاً من دورها الطبيعي.
ومن هذا الواقع الجديد، استطاعت حكومة نواف سلام أن تدفع بملفات كانت لسنوات طويلة حبيسة الأدراج، لا لأن الحكومات السابقة لم تكن تريدها، بل لأن موازين القوى التي كانت تحكم البلد لم تكن تسمح لها بالتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.
أما الذين يزايدون اليوم على الرئيس الحريري، فهم أنفسهم الذين صمتوا أمام تدمير الاقتصاد، وصمتوا أمام تهجير الشباب، وصمتوا أمام انهيار المؤسسات، ثم استفاقوا فجأة عندما بدأت بعض المشاريع ترى النور.
يريدون سرقة الإنجاز بعدما كانوا جزءاً من أسباب التأخير، ويريدون كتابة تاريخ جديد يمحو مسؤولياتهم القديمة. هم أنفسهم سيبقون أسرى خطابهم القديم؛ يهاجمون حين يفشلون، وينكرون حين ينجح الآخرون، ويبحثون دائماً عن خصم يعلّقون عليه عجزهم وفشلهم.
لقد اعتاد اللبنانيون على هذه الفئة من المتسلقين. يظهرون عند كل إنجاز ليلتقطوا الصور، ويختفون عند كل أزمة كي لا يتحملوا المسؤولية. يتقنون الهجوم أكثر مما يتقنون البناء، ويبرعون في إطلاق الشعارات أكثر مما يبرعون في صناعة الحلول. وتبقى الحقيقة وحدها شاهدة على من بنى، ومن عرقل، ومن صمت وخان وغدر، ومن تاجر وقبض.
أما مطار القليعات، فهو أكبر من حقدهم وأكبر من حساباتهم الصغيرة. إنه حق لأهل الشمال الذين عانوا التهميش طويلاً، وحق لكل لبنان الباحث عن فرص جديدة للنهوض والتنمية.
وفي الختام، إلى كل من يحاول تزوير الحقائق ومهاجمة من حملوا مشاريع الدولة يوم كان الآخرون يحملون مشاريع الوصاية والمحاور: استحوا واصمتوا. فالتاريخ لا يُكتب بالشتائم، ولا يُزوَّر بالصراخ، ولا يُمحى بالدولارات السياسية. وعندما تتحدث الوقائع، يسقط الضجيج، وتنكشف الوجوه، وتبقى الحقيقة وحدها شاهدة على من بنى ومن عرقل، ومن خدم الوطن ومن تاجر بأوجاعه.

زر الذهاب إلى الأعلى