مقالات

الرجل الأسطورة

مروان الحريري

كان الباب الخارجي مصنوعًا من ألواح خشبية طويلة، تآكلت أطرافها بفعل الريح والزمن، تتخللها شقوق ضيقة يمكن أن ترى من خلالها ما في الداخل. يسند الباب على حائطٍ من حجر مكسوٍّ بطبقة من الطين، كأنه يحتفظ بذاكرة الأيام القديمة، ورائحة المطر التي التصقت بجدرانه عبر السنين.

وحين تفتح الباب، يهبّ إليك هواء بارد يحمل شيئًا من عبق التراب والرطوبة. أمامك ممرٌّ ضيّق لا يتجاوز المترين، مرصوفٌ بالإسمنت المائل إلى الرمادي، وقد تشققت بعض أجزائه بفعل القدم والزمن. على الجهة الشرقية خلاء صغيرتركي قديم ، بابه من صفائح التنك المائلة للصدأ، تصدر صريرًا خافتًا كلما تحركت. وعلى اليمين غرفة كبيرة، بابها خشبي بلونٍ أخضر باهت، مبنية من الحجر والطين الأبيض، جدرانها سميكة متشققة كأنها تروي قصة عمر طويل. وعلى حائطها الغربي تمتد أغصان شجرة تين معمّرة، تسند ظلّها على السطح وتتشابك أغصانها كذراعين تحميان المكان من حر الصيف ونظرات المارة.

ومن هناك، تنفتح الدار أمامك فسيحة، تتوسطها بحرة صغيرة تتلألأ مياهها تحت الضوء، تنساب من فوهة حنفية نحاسية لتصب فيها برفق، فيبعث خريرها حياة هادئة في أرجاء الدار، كأنها أنفاسها القديمة لا تزال تتردّد في الهواء.

وفي أقصى الجهة اليمنى، تقف شجرة توت أبيض عتيقة، جذعها غليظ متشقق، وأغصانها ممتدة كأنها تنحني نحو الأرض احترامًا للعمر. إلى جوارها غرفة مهجورة، مبنية من الحجر ومكسوّة بالطين الأبيض، سقفها من أعمدة شجر قديم أكلها الزمن حتى تهدّم وسطها، وبقيت أطرافها تصارع الريح.

وبجانب شجرة التوت، غرفة صغيرة ذات بابين صغيرين مطليّين باللون الأخضر، وقد مرّ عليهما زمن طويل، بهت لونهما وتآكلت أطرافهما، وفي وسط كل باب زجاج شفاف يُريك ما في داخلها كأنك تتلصص على زمنٍ آخر .
وعلى زاوية الغرفة شجرة رمان وكانّها تحرسها .مساحتها لا تتجاوز ستة أمتار مربعة. على يمين الداخل ثلاث كراسٍ خشبية قديمة متعبة الأرجل، وعلى اليسار تلفاز قديم عُلّق على رفّ، تحته كنبة خشبية مغطاة بسجادة مطرّزة فقدت بريقها وفوق الكنبة طاقة صغيرة زجاجية شفافة تطل على الدار. في منتصف الغرفة طاولة صغيرة بأربعة جوارير، تضم بداخلها ما يحتاجه البيت من أدوات يومية، مرتّبة بعناية توحي بأن يدًا محبّة رتّبتها.

في الجهة المقابلة للباب، سرير حديدي قديم يعلوه صدأ خفيف، يستلقي عليه رجل بلغ السبعين من عمره. جسده متيبّس لا يقوى على الحركة، كأنه لوح من الخشب الصلب. لا يتحرك منه سوى يداه، أما ساقاه وسائر جسده فساكنان كالصخر. إلى جواره على الحائط قضيب طويل في رأسه سلك معدني، وبجانبه عُلّق عود عربي بني اللون، مزخرف بخطوط طحينية دقيقة تشي بعراقة صاحبه وذائقته.

إنه الخال شحادي.
خالُ عددٍ من أبناء الأخوات الأربع، وخال المدينة بأكملها، يعرفه الكبير والصغير. وجهه مستدير ممتلئ، أصلع تلمع صلعته تحت الضوء كأنها بركة صغيرة من الزيت، عيناه خضراوان عميقتان، من يحدّق فيهما يرى بحرًا من الأسرار والتجارب. نظرته ثابتة، تجمع بين الحنان والهيبة، وبين السكون والحكمة.

كان مستمعًا عظيمًا، يتكئ على سريره مكتوف اليدين، يصغي إليك بصمتٍ عميق، كأنّه يُنصت إلى نغمةٍ يعرفها منذ زمن بعيد. في عينيه تساؤلات كثير ، وإجابات أكثر، وفي ملامحه سكينة رجلٍ أدرك جوهر الحياة بعد طول تأمل وصبر
عاش منذ شبابه في تلك الغرفة الصغيرة التي احتضنته عمرًا كاملًا. فقد ألمّ به مرضٌ قاسٍ أدخله المستشفى وهو شاب يافع. وفي ليلةٍ ارتفعت حرارة جسده ارتفاعًا مخيفًا، واستبدّ به الهذيان، فأخذ ينتفض كسمكة أُخرجت للتو من البحر. سقط عن سريره المرتفع سقوطًا موجعًا؛ فتكسّر الحوض وتأذّى العمود الفقري. وكانت الرعاية يومها محدودة، لا تشبه ما يحتاجه جسدٌ هشّ في لحظة قدرٍ كهذه. ومنذ ذلك الحادث تيبّس جسده بالكامل، وتوقّفت قدماه عن الحركة إلى الأبد. لم يبقَ منه سوى يديه تتحركان… أمّا عقله وروحه فازدادا توهّجًا وحدّةً وعمقًا، كأنه وُلِد من جديد داخل هذا الجسد الساكن.

شحّادي كان ذكيًا حدّ الإدهاش؛ سريع البديهة، نافذ الملاحظة. رجلٌ لا يترك تفصيلًا واحدًا في يومه بلا ابتكار أو حل؛ فكأن العجز الجسدي لم يزدْه إلا قدرةً على السيطرة على عالمه الصغير من فوق سريره. عاش وحده في ذلك البيت العتيق، غرفٌ متناثرة حول فناءٍ ظلّلته تينة عظيمة. طلب من أحد أصدقائه أن يربط قفل الباب بخيطٍ من القنّب يمتد عبر حلقاتٍ على الجدران حتى يصل إلى سريره؛ فيفتح الباب لمن يزور، دون أن يحرّك جسده. وكان الباب يبقى مفتوحًا طوال النهار، حتى يغادر آخر زائر، فيُطلَب منه إغلاقه جيدًا.

وبجانبه قضيبٌ خشبيّ برأسه سلكٌ معدنيّ يستعمله لفتح باب غرفته، أو رفع غطاء “الطاقة” فوق الكنبة، أو لتحريك زرّ التلفاز قبل زمن أجهزة التحكّم. ورغم أنه لم يدخل المدرسة يومًا، إلا أنه أتقن الإنكليزية والفرنسية من خلال احتكاكه بالزائرين الأجانب إلى بعلبك، فصار له أصدقاء كُثُر من شتى البلدان. وعلى سريره كان دائمًا هاتفه الأحمر ودفترٌ صغير دوّن فيه أرقام الأصدقاء والمعارف، يرسم بجانب كل رقم رمزًا بسيطًا: سيارة للميكانيكي، عصا للمعلم… إشارات صغيرة تحمل ذكاءه الخاص وبصمته.

وأشهى كأس شاي قد تتذوقه هي تلك التي كان يحضّرها وهو مستلقٍ على سريره. تحت السرير أنبوبُ غاز صغير بعينٍ واحدة للطهي، يتصل بالأسطوانة في الفناء. والإبريق دائمًا قرب تلك العين. يطلب من زائره أن يفرغه في الحوض قرب جذع التينة، وأن يغسله من مياه البحرة. كان يحضّر الشاي برويّة، كأنه طقسٌ صغير؛ يسكب السكر بمحبة، ويقلّب ببطء، ثم يرفع عينيه نحوك بنظرةٍ ثاقبة وإصغاءٍ نادر.

وتحت فراشه أخفى مسدسًا عيار 7 ملم، وسيلته الخاصة للدفاع عن نفسه إن تجرّأ أحد على إيذائه. ومع هذا العجز كله، لم يطلب يومًا عونًا من أحد، ولم يمدّ يده لسؤال إنسان. كان يعمل ويصرف على نفسه، والجميع يقصده طلبًا للمساعدة، وكثيرون كانوا يقترضون منه.

وأمام باب داره كانت تقف فولكسفاغن خضراء من طراز السلحفاة. اشتراها ليخرج بها بين الحين والآخر، وكان يعرف قيادة السيارات معرفةً نظرية مذهلة. علّم عشرات الشباب مبادئ القيادة، فقط ليتمكّنوا من نقله إلى رأس العين في أيام الصيف. يأخذونه بعد الظهر، ويعيدونه حين يوشك النهار على الرحيل. ويزور بها إخوته وأقاربه في بيروت وبعلبك والبقاع الغربي.

وفي داره ثلاث قططٍ يطعمها من باب غرفته؛ تلتف حول قدميه وتنام قربه كأنها حارسات صامتات حول ملكهن.

لقد مرّت عليه ليالٍ قاسية وأوجاع طويلة. ومع ذلك، كان صابرًا، صمتُه أجمل من الكلام. لم يتذمّر يومًا، ولم يُظهر ضعفًا ولا عجزًا، بل كنت تشعر حين تجالسه أنك أنت الأضعف وهو الأقوى؛ لأنه رضي بقدره وتعامل معه بواقعية، وأحسن استخدام ما بقي له من حياة. كان حقًا قويًا، متماسكًا، صبورًا، وحكيمًا.

وغرفته الصغيرة، رغم ضيقها، كانت تتسع لعشرة زائرين أو أكثر. السهرات لا تنقطع، والشاي لا ينفد، وضحكاته العميقة تملأ المكان. وكان يعزف على العود بعذوبة تليق بروحه. فإذا جاء الصيف أصبحت داره ملتقى العائلة؛ تمتلئ الغرفة بالزوّار، فيخرجون إلى المصطبة، ويضعونه على كرسي، فيعزف… وترقص الصبايا حوله، والجميع يصفّق على نغماته.

كان بيته مقصد كل من يزور بعلبك من بيروت أو البقاع الغربي أو سائر المناطق. رجلٌ ذو شخصية قوية، ونظرة لا تخيب، يلجأ إليه كل من ضاقت به الحياة يريد مشورته. عاش عَلَمًا من أعلام بعلبك، وركنًا ثابتًا في العائلة وبين الأصدقاء.

وحين أصيب بجلطة دماغية ونزيف حاد، خرج منهما معافى، ثم رحل بعد عامين. وبعد أن خرج من بيته ميتًا، وُجدت قطته الكبيرة نافقة أمام باب غرفته الصغيرة في اليومين التاليين؛ كأنها رفضت أن تعيش في عالمٍ خالٍ منه. حتى سقف الغرفة الكبيرة التي ظللتها تينة الدار هبط جزءٌ منه، وكذلك جزءٌ من سقف غرفته، كأن المكان نفسه انحنى حزنًا عليه.

وفي آخر زيارة لي إلى قبره، وجدته مكسوًّا بالغبار، بلا زهرة، بلا أثرٍ لوردة… كأن القبر لرجل مجهول. لكن الحقيقة أن صاحبه كان من أكثر الناس حضورًا وعمقًا ودفئًا؛ رجلٌ عاش على سرير صغير، لكنه ظلّ أكبر من المدينة كلّها.

شحّادي سيبقى أسطورة إنسانية في القوة والعزم والذكاء والعمق…
وستبقى ذكراه في قلبي ما حييت.
مروان الحريري كاتب

زر الذهاب إلى الأعلى